
"السياسة فن الممكن" قاعدة أصيلة يعرفها الكثير في علم السياسة التي لن تكون يوماً "فن النواح"، فليس كل من ارتفع صوته صار "سياساً" ومن أتيحت له الفرصة بالظهور على وسائل الإعلام ليجلد الآخرين بمعلومات لم يتأكد بعد هو من صحتها وليس بيده دليلاً واقعياً يؤكد ما خطته يمينه او أفصحت عنه لسانه.
لكن يبدو أن الأمر كذلك مع وزير النقل المستقيل من الحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها دولياً، صالح الجبواني، فحين تأكد له خروجه من المشهد السياسي الذي اختاره بنفسه قبل أن يتم استبعاده في التشكيلة الجديدة لحكومة معين عبدالملك التي سيتم تشكيلها بالمناصفة بين الشمال والجنوب بناء على اتفاق الرياض الذي رعاه الأشقاء في المملكة العربية السعودية في 5 نوفمبر 2019.
سارع الجبواني إلى كيل الاتهامات بحق رئيس الحكومة معين عبدالملك ودون أن يقدم دليلاً واحداً يؤكد ما يهذي به من ترهات بأنه من أعطى دولة الامارات العربية المتحدة الركن الأساسي الثاني من تحالف دعم الشرعية في اليمن بعد المملكة العربية السعودية لاستهداف قوات الجيش في منطقة العلم على مشارف العاصمة المؤقتة عدن نهاية اغسطس 2019.
يكاد المتابع أن يقف حائراً أمام المشهد الذي يصوره الجبواني وهو الذي ظل صامتاً وبالعاً لسانه عن الحادثة في حينه ولم ينبس ببنت شفة، وحين فقد ما كان فاقداً له في الأصل في الحكومة بمنصب وزير النقل الذي لم يثبت خلال فترة توليه أي تحسناً سواء في الموانئ او المطارات او حتى النقل البري، خرج "الاراجوز" كالـ"نائحة" يصول ويجول ويصرخ على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" معلناً عن قنبلة انفجرت في وجهه قبل أن تصيب من كال له الاتهام الذي سيظل بريئاً حتى تثبت إدانته وفقاً للأعراف والتشريعات القانونية.
ولعل الجبواني ومن يقف خلف تصريحاته "الموتورة" يسعون إلى جر الشرعية إلى معركة أخرى تخدم أجندات إقليمية متناسياً المعركة الأساسية مع العدو الحقيقي لليمنيين المتمثل في ميليشيا الحوثي الانقلابية التي أدخلت الين بانقلابها في حرب أهلية وجعلت البلاد ساحة صراع بالوكالة خدمة لأجندة "طهران" التدميرية في المنطقة.
الإصرار الذي يبديه الجبواني على جر الشرعية إلى معركة هامشية لا ناقة لها فيها ولا جمل وتحويله الخلاف الشخصي بينه ورئيس الوزراء معين عبدالملك بعد ان قام الاخير وعقب أدائه الهزيل لتعيين شخصية أخرى للقيام بمهامه إلى معركة وطنية يجب أن يصطف الجميع حوله فيها ويناصرونه ويعيرونه انتباههم يمكن اعتباره حالة من "انفصام الشخصية" الموجب لمراجعة الحساب والبحث عن العلاج الناجع للحالة قبل استفحالها وتكرارها في الحكومة الجديدة.
لم يدر في خلد الجبواني أن المنصب في "حكومة الحرب" ليست مغنماً بقدر ما هي حفاظ على "شرعية" تم التوافق عليها محلياً ودولياً وخلق النموذج الأفضل في المحافظات المحررة في مختلف المجالات الخدمية، لكن يبدو أن "فاقد الشيء لا يعطيه" فحتى تعرفة النقل سواء داخل تلك المحافظات أو خارجها لا يعلم الجبواني كلفتها وهو المعني بها بحكم موقعه السابق في وزارة النقل.
أسئلة كثيرة تدور في ذهن المتابع عن أداء الحكومات المتعاقبة منذ انقلاب ميليشيا الحوثي لكن يبقى السؤال الأهم لماذا يحاول بعض وزرائها اللهث وراء الشاشات والكاميرات وصنع بطولات وهمية وهو "طارئ جديد" على الساحة السياسية ويلجأ إلى خلق معارك جانبية، في حين لم يصنع شيئاً يخلّده ومتناسياً أيضاً المعركة الحقيقية التي أودت بالبلاد إلى كارثة...رغم ذلك صدق الشاعر حين قال "أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي".