
تزايدت مؤخراً حالات الإصابة بوباء الملاريا في مدينة تعز جنوبي اليمن، في ظل انهيار شبه تام للقطاع الصحي في المدينة التي تشهد حرباً مستمرة منذ أكثر من ست سنوات.
وصاحب الانتشار الواسع لمرض الملاريا، جائحة كورونا كوفيد-19 الثانية بتعز ما جعل السلطات الصحية تغض بصرها عن مكافحة هذا المرض، وتبذل جهودها فقط في مكافحة فيروس كورونا.
انتشار الوباء
تعتبر محافظة تعز من المحافظات اليمنية الموبوءة بالملاريا، فقد أدى تهالك القطاع الصحي في المدينة لزيادة انتشار وباء الملاريا وحمى الضنك، وذلك لعدم وجود شبكة مياه لمركز المحافظة والمديريات، وتكدس أكوام النفايات في شوارع المدينة.
كما أن المياه الراكدة سبباً لتكاثر البعوض، فضلاً عن قيام غالبية المواطنين بتخزينها بشكل عشوائي ومكشوفة.
ويقول منسق البرنامج الوطني لمكافحة الملاريا في مدينة تعز، الدكتور سيف الحياني، إن وباء كورونا أضاف عامل جديد من عوامل انتشار الملاريا، إذ تركّزت كل جهود الجهات الداعمة والسلطة المحلية ووزارة الصحة، لمكافحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، ما جعل مرض الملاريا من الأمراض المهملة والمنسية.
ويرجع الحياني ارتفاع نسبة الإصابة بمرض الملاريا بالفترة الأخيرة إلى تلك الأسباب المذكورة أعلاه، مضيفاً أن المرض ينتشر في أغلب مديريات المحافظة، أبرزها مديريات الساحل الغربي كالوازعية وموزع ومقبنة وذباب، حيث ترتفع الإصابات فيها،
وتليها مديريات المعافر وصبر الموادم وأجزاء من جبل حبشي، والمناطق التي يتواجد فيها العيون والأنهار والأشجار الكثيفة.
ويؤكد الحياني أن السلطات الصحية في تعز سجلت منذ بداية العام الجاري أكثر من 2800 حالة إصابة مؤكدة بمرض الملاريا، وأنه تم عمل فحص مرض الملاريا لأكثر من 16 ألف شخصٍ، مشيراً إلى وجود قصور في البلاغات من المناطق البعيدة والنائية. وقد تكون الإحصائيات أكثر من المعلنة.
إدريس الصبري (28 عاماً) أحد سكان منطقة الضباب غربي تعز، يقول إنه أصيب بمرض الملاريا الذي فاقم من معاناته الصحية والمعيشية، بعد أن تعرض للدغة بعوض. ويضيف "عندما بدأت أشعر بحمى شديدة والتي صاحبها تقيؤ مستمر، ذهبت إلى مركز القاضي الطبي، أبلغوني حينها أني مصاب بالملاريا".
وترتفع نسبة الإصابات بمرض الملاريا بسبب عدم وجود التدخل والمكافحة من قبل الجهات المعنية بحسب نائب مدير الإعلام والتثقيف الصحي في مكتب الصحة بتعز تيسير السامعي.
ويضيف السامعي" أن الجهود الحالية تركّزت على فيروس كورونا بينما إصابات مرضى الملاريا تفوق أعداد الإصابات بالفيروس"، مشيراً إلى أن أسعار أدوية الملاريا ارتفعت بشكل كبير الأمر الذي ضاعف من معاناة المرضى. خاصة في ظل توقف البرنامج الوطني لمكافحة الملاريا.
أوبئة في ظل الجائحة
تعد الأمراض الوبائية المدارية وعلى رأسها الملاريا لا تزال تشكل تهديداً حقيقياً لحياة اليمنيين، خصوصاً مع استمرار موسم الأمطار المصحوب بانتشار البعوض الناقل للمرض.
وتشكو محافظة تعز من انتشار عدد من الأوبئة القاتلة مثل الملاريا وفيروس حمى الضنك، والمكرفس، والكوليرا، وفيروس كورونا.
ويقول مدير إدارة الترصد الوبائي بمكتب الصحة بتعز، الدكتور ياسين الشريحي، إنه في الفترة الأخيرة وبسبب هطول الأمطار الغزيرة وتكدس النفايات في شوارع المدينة والمجاري المكشوفة، ارتفعت حالات الإصابة بمرض الملاريا، حيث تعتبر بيئة خصبة لتكاثر البعوض الناقل للأمراض، وأن حمى الضنك والمكرفس مرتبطة بهذا الناقل.
ويضيف في حديثه " شهدت المدينة في السنوات الماضية تحسن ملحوظ في عدد الإصابات بالمرض، ماعدا في الساحل الغربي، وكانت غالبية الحالات تأتي من المحافظات الجنوب".
وفي العام الماضي بلغ إجمالي الحالات المصابة بمرض الملاريا في مدينة تعز أكثر من 23 ألف حالة إصابة فقط دون وجود وفيات. بحسب إحصائية لمكتب الصحة.
ومنذ بداية العام الجاري بلغت عدد حالات الإصابة بفيروس حمى الضنك أكثر من 4000 حالة، إضافة إلى وجود مرض المكرفس الذي لا يوجد له فحص، وإنما على تشخيص الأطباء. يضيف ياسين. فيما بلغ إجمالي الحالات المصابة بوباء الكوليرا منذ مطلع العام الجاري 2562 بحسب مركز الكوليرا في هيئة مستشفى الثورة العام بتعز.
ويقوم مكتب الصحة بعمليات مكافحة سنوياً تبدأ من شهر مارس من كل عام، للبعوض الناقل للملاريا، ثم تليها مكافحة البعوض الناقل لحمى الضنك.
ووفق سيف فإن هذا العام تم رفع خطة للقيام بعمليات مكافحة البعوض الناقل للمرض، لوزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية والمنظمات المحلية، لكن حتى الآن لم يصل أي تجاوب منهم للتدخل في عمليات المكافحة.
وفيما يخص مديريات المدينة الأكثر إصابة بالملاريا، تعد مديرية المظفر الأولى في زيادة الإصابات، تليها القاهرة، ثم صالة.
فقد وصلت مؤخراً كمية من الناموسيات إلى مدينة عدن مقدمة من منظمة الهجرة الدولية بلغت منها حصة تعز 150 ألف ناموسية. سيتم توزيعها للمناطق عالية انتشار مرض الملاريا. حيث أن مدينة تعز بحاجة إلى 370 ألف ناموسية، بحسب الحياني.
أعراض مرض الملاريا
وبحسب الدكتور ياسين فإن من أعراض مرض الملاريا، الحمى الشديدة، مصاحبة شعور بالبرد، والتقيؤ، وتَكَسُر الدم في الجسم، وأحيانا تصل الملاريا إلى الدماغ فتصيبه بمرض "التهاب الدماغ".
وهناك بعض فئات السكان المعرّضة لخطر الإصابة بالملاريا أكثر من غيرها ويمكن ان تتطور إصابتها إلى مرض وخيم، وهي تشمل الرضع والأطفال دون سن الخامسة والحوامل والمصابين بالإيدز والعدوى بفيروسه، والسكان المتنقلين والمسافرين. ويلزم أن تتخذ البرامج الوطنية لمكافحة الملاريا تدابير خاصة لحماية فئات السكان هذه من عدوى الملاريا عقب مراعاة ظروفها تحديداً. بحسب منظمة الصحة العالمية.
حيث أن الملاريا مرض حموي حاد عادةً ما تظهر أعراضه على الأفراد الذين ليس لديهم مناعة ضدّه في غضون فترة تتراوح بين 10 أيام و15 يوماً عقب تعرّضهم للدغة بعوضة حاملة لعدوى المرض. وقد تكون أولى أعراضه خفيفة - الحمى والصداع والارتعاد - ويصعب عزوّها إلى الملاريا. ويمكن أن تتطوّر الملاريا المنجلية إذا لم تُعالج في غضون 24 ساعة، إلى اعتلال وخيم غالباً ما يودي بحياة المصاب به.
البعوض الناقل
الملاريا مرض تسبّبه طفيليات من فصيلة المتصوّرات تنتقل بين البشر بواسطة لدغات أجناس حشرات بعوض الأنوفيليس الحاملة لعدواه، والتي تُسمى "نواقل الملاريا". ويوجد 5 أنواع من المتصوّرات التي تسبّب الملاريا للإنسان، ونوعان منها تشكلان أخطر التهديدات، وهما: المتصوّرة المنجلية والمتصوّرة النشيطة.
ووفقاً لتقرير منظمة الهجرة الدولية التابعة للأمم المتحدة في أغسطس من العام الماضي2020، أن ثلثي سكان اليمن يعيشون في مناطق موبوءة بمرض الملاريا، ما قد يعرضهم لخطر الإصابة بالمرض.
وتشير تقارير لمنظمات دولية إلى أن شريحة الأطفال دون سن الخامسة والنساء الحوامل من أكثر الفئات إصابة بهذا المرض الفتاك. وتقول التقارير إن نحو 78 في المائة من سكان اليمن معرضون لخطر الإصابة بالملاريا، إذ يقدر عدد حالات المصابين سنوياً بما بين 1.5 و1.8 مليون حالة، فيما تبلغ حالات الوفاة الناجمة عن الملاريا سنوياً ما بين 15 و18 ألف حالة.
وتضع إناث بعوض الأنوفيليس بيوضها في الماء التي تفقس إلى يرقات وتتحول بنهاية المطاف إلى حشرات بعوض بالغة. وتسعى إناث البعوض إلى الحصول على الدم لتغذية بيوضها. ويعيش كل نوع من أنواع بعوض الأنوفيليس في موائل مائية مفضلة؛ حيث يفضل البعض منها مثلاً المستنقعات الصغيرة الضحلة من المياه العذبة، مثل البرك وأثار الحوافر، والتي تنتشر بكثرة خلال موسم هطول الأمطار ببلدان المناطق الاستوائية.