2021/08/22
شهادة ضابط أميركي: ماذا تعلَّمت وسمعت من التجسُّس على طالبان؟

إيان فريتز، ضابط أميركي سابق أوكلت إليه مهمة التجسُّس على طالبان، يحكي تفاصيل مهمَّاته لرصد تحرُّكات مقاتلي الحركة، ما سمعه من خطط مخيفة ونكات مُضحكة في آنٍ واحد، وما رآه من حماستهم في القتال، وما آلمه بعد خدمته الطويلة في جبال أفغانستان.

حين يسألني الناس عمَّا فعلته في أفغانستان، أقول لهم إنني أمضيت وقتي في الطائرات واستمعت إلى طالبان. كانت مهمتي أن أرسل "إنذارات بالخطر" إلى قوات حلف الناتو، ومن ثمَّ قضيت ساعاتي أسترق السمع لمقاتلي طالبان، محاولا أن أفهم خططهم. قبل أن أباشر مهامي، حذَّرني البعض من أنني سأسمع أشياء فظيعة، وقد سمعتها بالتأكيد، لكن حين تمضي وقتك مستمعا لأشخاص آخرين ساعات وساعات، حتى إن كانوا أشخاصا يعتزمون قتل أصدقائك، فإنك تسمع في الأخير أشياء عادية. في الحقيقة، استطاعوا أن يُضحكوني في عدد من المرات.

في إحدى ليالي الشتاء بشمال أفغانستان، وعلى ارتفاع أكثر من ألفَيْ متر، حيث تهبط الحرارة إلى ما دون الصفر، سمعت المحادثة الآتية:

"ضع العبوة الناسفة هناك في الأسفل عند المنعرج، ولن يروها".

 

"يمكننا أن ننتظر حتى الصباح".

"لا، لا يمكن. (الأميركيون) سيأتون مبكرا، ونريد للعبوة أن تكون هناك لنقتل أكبر عدد ممكن".

"أعتقد أنني سأنتظر".

"لا، لن تنتظر! اذهب وضعها".

"هل عليَّ أن أقوم بذلك فعلا؟".

"نعم! اذهب ونفِّذ!".

 

"لا أريد ذلك".

"يا أخي، لِمَ لا؟ إن الجهاد واجب علينا".

"يا أخي، الجو بارد جدا على الجهاد".

نعم، قيلت النكتة وهُم منهمكون في التخطيط لقتل رجال كُلِّفتُ أنا بحمايتهم، بيد أن النكتة لم تكن عبثية أبدا، ولم يُخطئ الرجل، فحتى في طائراتنا وبستراتنا وقفَّازاتنا المصنوعة من الصوف، كان الجو باردا للغاية على خوض حرب.

 

في عام 2011، كان هنالك 20 شخصا في العالم مدرَّبين للقيام بالمهمة التي قمت بها، بل وشخصان فقط فعليا هم مَن حصلوا على التدريب نفسه بالضبط الذي حصلت عليه. فقد تعلَّمت لغتَيْ الباشتو والدَري، اللغتين الأساسيتين في أفغانستان، ثمَّ كُلِّفت بتلقي تدريب خاص لأقوم بمهام لغوية على متن طائرات قيادة العمليات الخاصة التابعة للقوات الجوية (AFSOC)، التي امتلكت نحو 12 طائرة. لكنني لم أركب سوى الطائرات المسلحة سلاحا ثقيلا، وهي طائرات تتباين خواصها من حيث سلاحها وقدرتها التدميرية، فبعضها يمكن أن يدمِّر سيارة فحسب لا أكثر، في حين يُمكن لبعضها الآخر أن يدمِّر مبنى كاملا. استخدمنا هذه الأسلحة في أفغانستان ضد الناس، وتمثَّلت مهمتي في اختيار أيِّ أناس بالضبط. هذا باختصار، ودون محاولة مني للتجميل، تعريف مهمة "الإنذار بالخطر".

لقد خُضت 99 مهمة قتالية بإجمالي عدد ساعات بلغ 600 ساعة، ولعل 20 من تلك المهام (نحو 50 ساعة) اشتملت على معارك قتالية فعلية، في حين استحوذت مهام "الاستخبارات المفيدة" على نحو 100 ساعة، وتضمَّنت الاستماع إلى "الأشرار" وهُم يناقشون خططهم "الخبيثة". أما بقية الوقت، فلم تشغله سوى أحاديثهم العادية التي جلست أتجسَّس عليها ليس إلا.

بالإضافة إلى النكات، تحدَّث المقاتلون عن أشياء مماثلة لما يتحدَّث عنه المرء مع جيرانه، مثل ترتيبات الغداء، والنميمة، وظروف الطرق السيئة، والشكوى من الأحوال الجوية، بالإضافة إلى التشاجر والسباب والسخط، والتطلُّع نحو المستقبل الذي يرحل فيه الأميركيون، والاستغراق في أحلام استعادة السيطرة على بلادهم، والكثير جدا من الهراء المحض.

ثمة رجل يُدعى "كليمة" سمعت منه تكرارا عجيبا للأسماء والجمل لإثبات وجهة نظره، وهي سمة وجدتها في أفغان كثيرين ممن قابلتهم. لا أعرف بالضبط مَن هو "كليمة"، وأغلب الظن أنه ليس ذا شأن، لكن أحدهم ظل ينادي اسمه عبر الراديو عشرات المرات ذات ليلة، وبالتنويعات والنغمات الممكنة كافة. وقد استمعت له حتى انتهى، دون أيّ رد من "كليمة". لعل الراديو الخاص به انطفأ، أو أنه لم يرغب بالحديث مع هذا الرجل، أو لعله كان ميتا، ولربما قتلته أنا. لم أسمع بعد تلك الليلة قط صوت "كليمة" عبر الراديو.

 

امتلك مقاتلو طالبان موهبة خطابية أخرى، وهي الأحاديث الحماسية. لم أرَ قط في حياتي قاعة اجتماعات تسويقية أو موقع تصوير لفيلم أو غرفة تغيير ملابس لأحد الفِرَق الرياضية وهي تعج بذلك القدر من الحماسة المفرطة التي أظهرها مقاتلو طالبان قبل وأثناء وبعد كل معركة. لعله التمرُّس في أمور الحرب، لا سيما وقد أمضوا معظم حياتهم على خطوط النار، أو لعله الإيمان الراسخ والصادق بقداسة معاركهم. وكلما زاد سماعي لهم، فهمت بأن تلك الأحاديث الحماسية ضرورة من ضرورات استمرارهم في القتال.

تم طباعة هذه الخبر من موقع المشهد الخليجي https://almashhadalkhaleeji.com - رابط الخبر: https://almashhadalkhaleeji.com/news37564.html