تُعد إيران أكبر منتج للزعفران في العالم، ذلك المنتج الثمين الذي يُعرف بـ"الذهب الأحمر"، لكنها لا ترسل منه غرامًا واحدًا إلى أذرعها ووكلائها في المنطقة. ما ترسله ليس الورد ولا الزعفران، بل أدوات الحرب، ووسائل القتل، وكل ما يُبقي الصراعات مشتعلة ويُطيل أمد الفوضى.
ومن يتتبع تاريخ النظام الإيراني منذ قيام الثورة عام 1979، يدرك أنه لم يقدم نفسه مشروعًا للتنمية أو الاستقرار، لا لشعبه ولا لجيرانه، بل ارتبط اسمه بتصدير الأزمات، ورعاية المليشيات المسلحة، وإثارة الفتن، وتوسيع النفوذ عبر السلاح، لا عبر التعاون وحسن الجوار.
ولذلك، فإن مسألة الرحلات الجوية الإيرانية إلى صنعاء لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد رحلة تقل أشخاصًا أو تعيد عناصر تابعة لمليشيا الحوثي، حتى وإن حملوا أسماءً أو صفات يمنية. فالقضية تتجاوز الأفراد إلى ما يمكن أن تحمله هذه الرحلات من أبعاد سياسية وأمنية وعسكرية، في ظل سجل طويل من الدعم الإيراني للمليشيا الحوثية.
فالطائرة التي تبدو في ظاهرها وسيلة لنقل أشخاص، يخشى اليمنيون أن تكون في باطنها امتدادًا لمشروع الحرب. فمنذ سنوات، ارتبط الدعم الإيراني للحوثيين بكل ما غذّى الصراع؛ من تقنيات الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى الألغام البحرية والبرية، ووسائل التهريب والتسليح التي حصدت أرواح الآلاف، وأغرقت اليمن في حرب مدمرة أنهكت وطنًا يعيش فيه ما يقارب أربعين مليون إنسان.
ولهذا، فإن الاعتراض على هذه الرحلات لا ينطلق من موقف سياسي مجرد، بل من اعتبارات تتعلق بالسيادة الوطنية والأمن القومي. فاليمن لا يزال يعيش صراعًا مفتوحًا منذ أكثر من عقد، وأي تحرك يُحتمل أن يسهم في تعزيز القدرات العسكرية للمليشيا لا يمكن التعامل معه بوصفه أمرًا اعتياديًا أو إنسانيًا دون ضمانات ورقابة صارمة.
إن السيادة ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل مسؤولية تقتضي حماية المجال الجوي والحدود، ومنع أي وسيلة قد تُستخدم لإدامة الحرب. وما دام السلاح يتدفق، والدعم الخارجي للمليشيا مستمرًا، فإن فرص السلام ستظل رهينة لمشروع لا يرى في اليمن دولة مستقرة، بل ساحة نفوذ وصراع.
إن القضية ليست رحلة جوية عابرة، بل حلقة جديدة في معركة اليمنيين من أجل استعادة دولتهم، وحماية سيادتهم، وإنهاء مشروع المليشيا الذي لم يجلب لليمن سوى الموت والخراب، فيما لا تزال إيران ترسل إلى أذرعها أدوات الحرب بدلًا من أن ترسل لهم الورد... أو حتى غرامًا واحدًا من زعفرانها.