مشهدك الحقيقي .. بين يديك
الأحد , 14 - أبريل - 2019
الرئيسية - المشهد اليمني - عذراً ربا...أتدرين أين يكمن الألم؟ 

عذراً ربا...أتدرين أين يكمن الألم؟ 

الساعة 03:17 مساءً (المشهد الخليجي )

نشر الكاتب اليمني سلمان القباتلي رسالة على لسان والد الناشطة ربا جعفر الجندي، بعد خروجه من السجن بعد أربع سنوات قضاها في معتقلات ميليشيا الحوثي الانقلابية.

وتضمنت الرسالة 

أخيراً ياربا عدت إليك..
عدت مبتور الهدايا سوى سلاسل السجن التي لمع صدؤها ذهباً حين وضعتها على عنقك…
عدت فارغا سوى حائط الزنزانة اخبأته في جيبي لأحرره من السجن ، و لتقرئي فيه رسائلي التي حررتها إليك.
عدت ياربا كي تعود الشمس لتشرق عليك بعد أن حجبها ظل الغياب ..
وكي تعود الطيور تمرح في شرفتك بعد أن سُجنتُ مثلي في أوكارها.
عدتُ ياربا كي تعود الألوان إلى بهجتها ، والكلمات إلى معانيها ، والأشجار إلى خضرتها ، وتعود الأشياء إلى حقيقتها بعد أن غلفها الساسة بخدعة الحرب.
لقد خدعونا بالحرب ، وأغرونا بالوطن الذي سيبنوه إن قضينا على الطرف الآخر ؟ وأحرجونا بنداء الوطن ، حين علموا حبنا الصادق له ، وأنه لا يمكن أن نبخل عليه بأروحنا مهما كان!
لقد كانت لعبتهم الماركة حتى أوقعونا فيها ، لم نكن ضحايا لعبتهم فقط ، بل خدعتنا الحرب بأنها الحل الوحيد ، وخدعتنا الصورة البشعة التي رأينا فيها العدو بأننا على الصواب أيضا..
إنها خدعة كبيرة أكبر من أن يستوعبها البسطاء أمثالنا ..

حين تشب الحرب ياربا تظهر في بدايتها صادقة و خاصة للعوام من الطرفين ، وحين تنتهي وتنكشف لنا الكثير من أسرارها الخفية ، يرى الجميع كذبها كما رأى البعض صدقها في البداية..

كنا مغفلين ياربا
نزعم أن الوطن لن يعود إلا بالقتال ، كما كان يزعم عدونا بالضبط؛ فصرنا جنودا لأحد الأطراف ، وقاتلنا الطرف الآخر ، انتهينا نحن ولم تنته الحرب ولم يعد الوطن أيضا ، بل رحلنا كلنا خلفه ، ولم ينتصر أحد منا ، لقد هزمتنا الحرب جميعاً.
إن المنتصر الحقيقي ليس من يخوض الحرب ويهزم عدوه ، المنتصر من غلب عدوه قبل المعركة وقبل وقوع أي شهداء ، كل من يخوض الحرب خاسر لا محالة لافرق سوى أن هناك طرف يخسر أكثر.

عزيزتي ربا
لقد أطلقوا سراحنا في صفقة تبادل أسرى ، لكنهم سيقتلوننا في صفقة أخرى ، وإلا فلماذا لا يتبادلون الآراء ، كما يتبادلون الأسرى ؟ إنهم لايحتاجون حريتنا ، بالقدر الذي يحتاجون سجننا مرة أخرى في معاركهم ..

يحزنني يا ربا أننا نؤمن بعدونا كطرف ينتمي لهذا الوطن ..
ولكننا لا نؤمن أن مصلحة الوطن تتعلق بالتشاور معه وليس بقتله ، بعيداً عن الخلافات الشخصية والدينية ؟!

لم نكن بحاجة إلى هذه الحرب
إنها حرب قاسية لم يشنها مستعمر خارجي على عدوه ، فضلاً من أننا جميعا أصحاب هذه الأرض ولا ينكر ذلك أحد…
إنها حرب فاحشة لم تخضها الجيوش المتصارعة في الأديان ، فضلاً أننا جميعا ننتمي لدين واحد…
فلماذا الحرب يا ربا؟! وعلى ماذا نتصارع إذن؟!
أليس لكي نعيش جميعا بسلام ؟!
لقد جربنا الحرب بهدف السلام ، ولم ننجح؟!
فلماذا لم نجرب السلام اليوم بهدف السلام؟!
لم نكن بحاجة للحرب ؟ كنا بحاجة للسلام، كما نحن بحاجته الآن أكثر..
عملاء في الداخل وأعداء في الخارج هم من كانوا بحاجة للحرب لمصالحهم الخاصة وليس لأجلنا ، لكنهم كانوا أذكياء بحجم غبائنا و بما يكفي أن يستخدمونا لتحقيق ذلك.

عفواً ربا
لم أكن أنا السجين الوحيد في هذه الحرب ، ولست ربا الوحيدة التي سكرت برؤية والدها و احتضنته بهذا الشوق و الجنون .
هناك ألف سجين مثلي من الطرفين تنتظرهم ألف ربا ولا يأتون..
ليس هذا هو المؤلم يا ابنتي..
أتدرين أين يكمن الألم !
أن يكون هناك ربا تبحث عن وجه أبيها بين الأسرى وقد مات في سجنه…
أو أن يكون هناك سجين يبحث عن رباه بين الحاضرين وقد ماتت قهرا عليه...
يكمن الألم حين تشعر أنك ما زلت معتقلاً حتى خارج الزنزانة ، فإن أطلقوا سراحك من السجن أنت معتقل في هذا الوطن الذي يطوقوه بخلافهم.
يكمن الألم ياربا
حين تنتظر أمهات الشهداء عودتهم ، وقد ذهبوا خلف الوطن تماما ، ولن يعودون إلا بعودته…
ليس الألم في رحيلهم بلا عودة
يكمن الألم
حين نقاسي لحظات الانتظار للشهداء والوطن ، لحظات لا ننتظر فيها عودتهم ، ننتظر فقط دورنا في الرحيل.