قال وكيل وزارة الشباب والرياضة، مانع المطري، إن القوى السياسية اليمنية مطالبة بالاستعداد مبكراً لمرحلة ما بعد الحرب، والعمل على تجاوز حالة الجمود التي أصابت مؤسساتها وهيئاتها خلال سنوات الصراع.
وأوضح المطري، وهو عضو اللجنة المركزية للتنظيم الناصري، في ورقة قدمها خلال ندوة نظمها «مركز عناوين للبحوث ودراسة التحولات»، أن الحالة الداخلية للقوى السياسية ومؤسسات الدولة شهدت تراجعاً كبيراً خلال سنوات الحرب، التي اندلعت عقب انقلاب مليشيا الحوثي المدعومة من إيران.
وأشار إلى أن السنوات الماضية فرضت واقعاً سياسياً ومؤسسياً جديداً، وأدت إلى تعرض الأحزاب والقوى السياسية ومؤسسات الدولة لصدمات كبيرة، انعكست على مستوى أدائها الداخلي وقدرتها على مواكبة المتغيرات المتسارعة في البلاد.
وأكد المطري أن تحقيق النجاح العسكري لن يكون كافياً بمفرده لإعادة الحياة السياسية وتطبيع الأوضاع واستعادة فاعلية مؤسسات الدولة، ما لم يرافق ذلك استعداد سياسي ومؤسسي حقيقي للمرحلة التي ستلي الحرب.
وشدد على أن المعركة يجب أن تكون مكتملة وقادرة على الوصول إلى السلام وإنهاء الحرب، مشيراً إلى أن استمرار الصراع تسبب في مأساة إنسانية واسعة وتراجع كبير في مختلف أوضاع اليمن خلال السنوات الماضية.
وفي الوقت ذاته، أكد أن تأييد الحسم العسكري لا يعني تجاهل المشكلات السياسية والمؤسسية التي قد تظهر أثناء المعركة أو بعد انتهائها، محذراً من أن بعض الاختلالات القائمة حالياً قد تؤثر بصورة مباشرة على شكل المرحلة المقبلة ومآلاتها.
وقال إن عدداً كبيراً من القوى السياسية اليمنية يعاني من حالة جمود داخل مؤسساته وهيئاته، نتيجة ظروف الحرب، لافتاً إلى أن المناقشات الداخلية داخل الأحزاب تراجعت بشكل واضح، وأصبحت في بعض الحالات شبه غائبة.
وأشار إلى أن اللقاءات السياسية التي تعقد مع مختلف المكونات والمؤسسات كثيراً ما تجمع الشخصيات نفسها، سواء بصفتها الحزبية أو البرلمانية أو الاستشارية، الأمر الذي يحد، بحسب رأيه، من تنوع الآراء والنقاشات السياسية، ويضعف القدرة على استيعاب المتغيرات الجديدة.
وأضاف أن اليمن بحاجة إلى نقاشات سياسية واسعة تتناسب مع حجم التحديات والتحولات التي شهدتها البلاد، وكذلك التطورات الإقليمية والدولية المحيطة بها، مؤكداً أن استمرار الأساليب القديمة في إدارة العمل السياسي قد لا يكون كافياً لمواجهة متطلبات المرحلة المقبلة.
وحذر المطري كذلك من اتساع الفجوة بين القيادات السياسية التقليدية من جهة، والقوى الشبابية وقواعد الأحزاب وأنصارها، إضافة إلى التشكيلات العسكرية التي ظهرت خلال سنوات الحرب وأصبحت تمتلك حضوراً وتأثيراً على الأرض، معتبراً أن تجاهل هذه القوى قد يخلق مشكلات جديدة في المستقبل.
واستشهد بتجارب دول خرجت من الحروب أو الاحتلال، لكنها لم تتمكن قواها السياسية من الانتقال سريعاً من عقلية الصراع إلى بناء مؤسسات دولة موحدة، مشيراً إلى تجربة سوريا بعد الاستقلال كنموذج على المخاطر التي يمكن أن تنتج عن استمرار الخلافات السياسية وعدم القدرة على التكيف مع واقع الدولة الجديدة.
وحذر من أن اليمن قد يواجه صراعات داخلية جديدة بعد انتهاء المواجهة مع الحوثيين، إذا لم تبدأ القوى السياسية منذ الآن في توسيع دوائر المشاركة وإجراء مراجعة داخلية وتجديد هياكلها القيادية.
وأكد أن الهدف يجب ألا يقتصر على هزيمة الحوثيين عسكرياً، وإنما يجب أن يترافق ذلك مع الاستعداد لتجنب أي فراغ سياسي أو صدامات بين القوى المناهضة للجماعة في مرحلة ما بعد الحرب.
ودعا المطري القوى السياسية إلى الانتقال من «مربع اقتسام الدولة إلى مربع الشراكة»، معتبراً أن المرحلة المقبلة تتطلب شراكة وطنية أوسع تستوعب مختلف القوى والمكونات المؤثرة.
وفي الجانب العسكري، دعا إلى منح رئيس مجلس القيادة الرئاسي، باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة، مساحة أكبر لاتخاذ القرارات العملياتية العاجلة، مع استمرار التشاور مع أعضاء المجلس.
وأوضح أن طبيعة العمليات العسكرية قد تتطلب أحياناً اتخاذ قرارات خلال دقائق، خصوصاً في ما يتعلق بتحريك الوحدات العسكرية أو تكليف القيادات أو التعامل مع التطورات الميدانية، مشيراً إلى أن اشتراط التوافق الكامل في التفاصيل العملياتية قد يؤدي إلى تعطيل القرار العسكري.
وشدد على أن منح القيادة العسكرية مساحة أكبر للتحرك لا يعني إلغاء مبدأ الشراكة الوطنية، وإنما الفصل بين المشاركة السياسية في القرارات الاستراتيجية وبين الحاجة إلى سرعة وفاعلية القرار في الميدان.
وفي ما يتعلق بإعادة بناء مؤسسات الدولة، حدد المطري ثلاث جبهات رئيسية تواجه القيادة السياسية والحكومة، وهي الجبهة العسكرية والأمنية، والجبهة السياسية، والجبهة الاقتصادية والمؤسسية.
وأوضح أن الجبهة العسكرية ترتبط بالمواجهة مع الحوثيين وحماية الاستقرار في المناطق الخاضعة للحكومة، فيما تحتاج الجبهة السياسية إلى أداء أكثر نشاطاً وقدرة على الاستفادة من التحولات الإقليمية والدولية.
ودعا إلى عدم حصر العمل الدبلوماسي في وزارة الخارجية فقط، مؤكداً ضرورة مشاركة القوى السياسية المختلفة في دعم الموقف الرسمي للدولة، والاستفادة من علاقاتها الإقليمية والدولية لخدمة اليمن.
كما دعا إلى توجيه العلاقات الخارجية للمكونات السياسية نحو دعم الحكومة والدولة اليمنية، بدلاً من استخدامها لتعزيز مواقع فصيل سياسي على حساب فصيل آخر داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
وفي الجانب الاقتصادي والإداري، أشار المطري إلى أن سنوات الحرب خلفت إرثاً ثقيلاً على مؤسسات الدولة والموارد العامة، مؤكداً أن الجهاز الإداري والخدمة المدنية بحاجة إلى معالجة واسعة.
وأوضح أن سنوات طويلة مرت دون رفد مؤسسات الدولة بكفاءات جديدة بصورة منتظمة، بالتزامن مع بلوغ أعداد من الموظفين سن التقاعد وهجرة عدد من الكفاءات إلى الخارج، ما أدى إلى ظهور فجوة في قدرات الجهاز الإداري.
ورأى أن معالجة الوضع الاقتصادي تتطلب إعادة بناء الجهاز الإداري وتصحيح الاختلالات المتراكمة في التوظيف، إلى جانب رفع قدرة الحكومة على تحصيل الموارد والوفاء بالتزاماتها في قطاعات الصحة والتعليم والمرتبات.
كما دعا إلى مواصلة مكافحة التهريب، والبحث في الوقت ذاته عن مصادر جديدة للعملة الصعبة، خصوصاً من خلال تطوير الصادرات الزراعية وغيرها من المنتجات القابلة للوصول إلى الأسواق الخارجية.
وأكد أن الملف الاقتصادي سيكون من أكثر الملفات إلحاحاً في مرحلة ما بعد الحرب، وأن معالجته تحتاج إلى إصلاحات واسعة تتجاوز الإجراءات المالية المباشرة إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة وقدراتها الإنتاجية.
وختم المطري بالتأكيد على أن امتلاك القوة يمثل، من وجهة نظره، شرطاً لأي تسوية سياسية قابلة للتنفيذ، معتبراً أن الحسم العسكري أصبح «الأقل كلفة والأصوب» مقارنة باستمرار الصراع دون حسم.
وفرق بين الحروب التي تدور بين أطراف وطنية متنافسة على السلطة، والتي يمكن دفعها إلى التفاوض وتقاسم السلطة، وبين الصراع في اليمن الذي قال إنه يتداخل فيه تأثير إقليمي خارجي يستخدم أدوات محلية.
ورأى أن أي تسوية سياسية تحتاج إلى أدوات قوة تضمن تنفيذها، مشيراً إلى أن إنهاء النفوذ الإيراني في اليمن، بحسب تقديره، يتطلب وجود قوة عسكرية يمنية قادرة على بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اليمنية.