من فيلة أبرهة إلى صواريخ الحوثي، ومن الحبشة إلى إيران، تتغير العصور والأسلحة والأطراف، لكن التهديد الذي يقترب من مكة المكرمة يعيد إلى الأذهان واحدة من أشهر الوقائع في التاريخ الإسلامي. والمفارقة أن "وادي المغمّس"، الذي نزل فيه جيش أبرهة قبل محاولته هدم الكعبة المشرفة، عاد اسمه إلى الواجهة بعد سقوط أجزاء من صاروخ حوثي اعترضته الدفاعات السعودية في الموقع نفسه، في أكتوبر 2026.
فبينما جاء أبرهة بجيش يتقدمه الفيل، انطلاقًا من صنعاء الخاضع آنذاك للنفوذ الحبشي، تأتي التهديدات الحديثة من مليشيا الحوثي التي يقودها عبدالملك الحوثي، مستخدمة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، في ظل الدعم الإيراني الذي تتهم السعودية طهران بتقديمه للجماعة.
تعود القصة إلى القرن السادس الميلادي، عندما كان أبرهة الحبشي يحكم اليمن، وقد بنى كنيسة عظيمة في صنعاء عُرفت باسم "القُلَّيس"، ساعيًا، وفق روايات المؤرخين والمفسرين، إلى تحويل وجهة العرب إليها بدلًا من الكعبة المشرفة.
وحين أخفق مشروعه، قرر السير بجيشه إلى مكة لهدم الكعبة، في محاولة لفرض واقع جديد بالقوة العسكرية، وإنهاء مكانتها الدينية التي استقرت في وجدان العرب، غير أن الحملة انتهت بالفشل، وخلّد القرآن الكريم الواقعة في سورة الفيل: "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ"، لتبقى الحادثة رمزًا لمحاولة الاعتداء على البيت الحرام وما انتهت إليه.
ومن التفاصيل اللافتة في روايات التاريخ أن بعض أهل اليمن قاوموا أبرهة قبل وصوله إلى مكة، ومن بينهم ذو نفر الذي تذكره كتب التفسير. وهي حقيقة تعكس أن الاعتداء لم يكن موقفًا يمنيًا، وإنما مشروعًا عسكريًا لقوة كانت تسيطر على اليمن، وواجهها يمنيون رفضوا حملتها على الكعبة. وهذا التمييز يكتسب دلالة معاصرة؛ فمليشيا الحوثي لا تمثل الشعب اليمني، مثلما لم يكن أبرهة يمثل إرادة اليمنيين حين انطلق بجيشه نحو مكة.
بعد قرون طويلة من حادثة أبرهة، عادت مكة المكرمة إلى دائرة التهديد الإرهابي، وفق ما أعلنته السلطات السعودية في سلسلة من الوقائع المرتبطة بالهجمات الحوثية. ففي 27 أكتوبر 2016، أعلنت السعودية اعتراض صاروخ باليستي أطلقته مليشيا الحوثي الإرهابية من محافظة صعدة اليمنية باتجاه منطقة مكة المكرمة، وتمكنت الدفاعات الجوية من تدميره على مسافة 65 كيلومترًا من المدينة المقدسة.
وبعد تسعة أشهر، وتحديدًا في 27 يوليو 2017، ولم يتوقف الأمر عند تلك الوقائع؛ ففي 15 سبتمبر 2026، أعلن التحالف اعتراض طائرة مسيّرة أطلقتها المليشيا الحوثية جنوب مكة المكرمة، قبل دخولها المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة.
ثم شهد 24 أكتوبر 2026 تطورًا آخر، عندما أعلن الدفاع المدني السعودي اعتراض صاروخين باليستيين أطلقتهما المليشيا الحوثية الإرهابية باتجاه منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، وسقوط أجزاء منهما وشظايا الاعتراض في وادي المغمّس بمكة، وحي النزهة بجدة، ووادي جليل بالطائف، ومركز مستورة برابغ.
هذه الوقائع تكشف حجم المخاطر الناجمة عن إطلاق أسلحة باليستية باتجاه المنطقتين اللتين تحتضنان الحرمين الشريفين، وما يمكن أن يترتب عليها من تهديد لأرواح السكان والمعتمرين والزوار.
وإذا كان أبرهة قد استند إلى قوة عسكرية مرتبطة بالنفوذ الحبشي في اليمن قبل قرون، فإن الحوثي، وفي قلب المشهد المعاصر، يستند في عدوانه على الأراضي المقدسة على إيران بوصفها الداعم الإقليمي لمليشيا الحوثي الإرهابية ومصدرًا لتقنيات وتسليح عسكري استخدمته في هجماتها.
ولا تقتصر خطورة المشروع الحوثي على جماعة إرهابية استولت على مؤسسات الدولة اليمنية، بل تمتد إلى ارتباطاتها الإقليمية، واستخدام الأراضي اليمنية منصة لتهديد أمن المملكة ومصالحها ومدنها المقدسة.
وتبرز هنا مفارقة شديدة الدلالة، فالمليشيا الحوثية التي ترفع الشعارات الدينية وتقدم نفسها مدافعًا عن مقدسات المسلمين، تقف خلف هجمات صاروخية ومسيّرة أعلنت السعودية اعتراضها في اتجاه مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهو تناقض يتجاوز الشعارات السياسية إلى جوهر السلوك الإرهابي، إذ لا يمكن فصل ادعاءات الدفاع عن المقدسات عن مدى احترام أمنها وسلامة قاصديها.
وفي مواجهة هذا التهديد، تؤكد المملكة العربية السعودية أن أمن الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن خط أحمر، وأنها ستتخذ الإجراءات اللازمة لحماية المدينتين المقدستين وسكانهما وزوارهما.
وإذا كانت حملة أبرهة قد بقيت في الذاكرة الإسلامية عنوانًا لمحاولة الاعتداء على الكعبة المشرفة، فإن الهجمات الحوثية الإرهابية على منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة تفتح فصلًا معاصرًا من التهديد لأمن الحرمين الشريفين، وتعيد طرح السؤال القديم بصيغة جديدة: كيف تتحول الأطماع السياسية والعسكرية إلى خطر يقترب من أقدس المقدسات؟