مشهدك الحقيقي .. بين يديك
الأحد , 14 - أبريل - 2019

الحوثي يقصف السعودية.. واليمنيون يدفعون الثمن

2026/10/27 الساعة 10:23 مساءً

همدان العليي

لا يكاد يخلو خطاب حوثي من التفاخر بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة والزوارق البحرية المفخخة، وبكل ما تعتبره الجماعة تطورا عسكريا جعل أذاها يصل إلى أهداف بعيدة.
وفي كل جولة حرب، تقدم الجماعة الصواريخ والمسيرات والمفخخات المصنوعة بخبرات إيرانية باعتبارها "إنجازا وطنيا" و"قوة لليمن"، سواء وجهت هذه الصواريخ والمسيرات صوب المطارات المدنية والمنشآت النفطية والحيوية أو عندما تستهدف المناطق المقدسة أو المدن المكتظة بالسكان.
خلال نحو شهرين، استطاعت المملكة اسقاط وتدمير عشرات الصواريخ والمسيرات التي تستهدف أراضيها، وبالتالي فان فعالية وتأثير الاعتداءات الحوثية على السعودية محدود جدا رغم ضجيج الحوثيين الكبير. لطالما بررت جماعة الحوثيين حرمان ملايين من اليمنيين الموظفين وأسرهم من حقوقهم ومرتباتهم، بالقول إنها تخوض حربا وأنها توجه الموارد للتصنيع العسكري، وفي نهاية الأمر هذه الصواريخ والمسيرات إما أن تمزق أجساد اليمنيين في تعز ومأرب وعدن وبقية المناطق اليمنية المحررة، أو تنفجر في سماء المدن السعودية.
بعيدا عن لغة الاستعراض العسكري الحوثي، لدينا سؤال بسيط بحاجة إلى أن نطرحه على الشعب اليمني.. ماذا استفاد اليمن من كل هذه الصواريخ والمسيرات؟!
هل جعلت اليمن أكثر أمنا وسلاما؟ هل ساهمت في تحسين أوضاع الشعب اليمني؟ هل وفرت احتياجات اليمنيين؟ هل فتحت المدارس والمستشفيات؟ هل ساهمت في النمو الاقتصادي في البلاد؟ هل حسنت علاقة الشعب اليمني بشعوب العالم؟ أم أن حصيلتها النهائية هي مزيد من الفوضى والحرب والدماء والعزلة والخسائر وتفخيخ المستقبل اليمني؟!
في حقيقة الأمر، يصعب علينا إيجاد مكسب يمني تحقق من وراء أدوات الموت الحوثية، وما يحدث هو العكس تماما.
هذه الصواريخ ليست في يد الدولة التي تمثل التنوع اليمني والمعترف بها أمام العالم. ولا تخضع لمؤسسة عسكرية وطنية تمثل كل اليمنيين، بل تحت سيطرة جماعة "عرقطائفية" صغيرة تصنفها عدة دول منظمة إرهابية. ولهذا فان امتلاك مثل هذه الجماعات العقائدية مثل هذه الأسلحة، لا يعني أن الدولة اليمنية باتت دولة أقوى بهذا السلاح.
الحوثية لديها صواريخ قد تصل إلى ألف كيلومتر، لكنها تعجز عن صرف مرتبات اليمنيين ولا تستطيع بناء مدرسة أو تشغيل مستشفى بدون دعم المنظمات الدولية التي تتلقى جزءا من تمويلها من السعودية في الأصل.. إذن يمكن القول إن الحوثية أصبحت قوية بهذا السلاح، أما اليمن كدولة ففي أضعف مراحله بسبب هذه الجماعة الإرهابية.
صواريخ الحوثيين التي تمزق أجساد اليمنيين وتدمر منازلهم ومدارسهم، تزيد من كراهية اليمنيين لهذه الجماعة، لكن الصواريخ التي يطلقها الحوثيون إلى خارج اليمن، تتسبب في تشويه صورة اليمن واليمنيين في الخارج. قبل أيام فقط، وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليمن ضمن ما وصفه بالدول "الموبوءة بالإرهاب". وبغض النظر عن اعتراضنا على التعميم، لكن هذا الكلام بات يشير إلى خطورة الوضع الذي وصلنا إليه بسبب ممارسات الحوثيين.
يفرح الحوثيون بتغريدات وفيديوهات بعض عناصر المحور الخميني المؤيدة لصواريخه ومسيراته التي لا تقتل ولا تدمر إلا في اليمن أو في السعودية، لكن الحقيقة أن العالم ليس الفلسطيني عبدالباري عطوان أو العماني علي المعشني أو المصري سامح عسكر. العالم يقيم الدول بناء على سلوكها وقدرتها على البناء والتطور، وليس القدرة على الإيذاء والإزعاج والتخريب.
كثير من دول العالم تصنف الحوثية كتنظيم إرهابي، ودول أخرى تراها متطرفة ومتمردة، وبناء على هذا التوصيف فان سيطرة الجماعة على رقعة جغرافية مهمة يضع اليمن في مستوى خطر أمنيا وهذا الأمر يقود إلى عزله، تماما كما يتم عزل إنسان مصاب بفيروس خطير.
المواطن اليمني العادي لا يمتلك صاروخا أو مسيرة، وليس هو من يقرر اطلاقها على المطارات والمنشآت السعودية، لكنه للأسف قد يدفع ثمن هذه الهمجية الحوثية على الأقل عندما ينظر إلى جواز سفره من زاوية أمنية أو تتراجع فرص عمله واستثماراته أو عندما يرتبط اسم اليمن في الذهنية الدولية بالخطر والإرهاب بدلا من الثقافة والعلم والتاريخ والعراقة التي عرف بها اليمن واليمنيون.
صواريخ ومسيرات الحوثيين تعزل اليمن وتضر باليمنيين أولا وأخيرا. يستهدفون السعودية وهي أكبر وأهم اقتصاد ملاصق لليمن ومصدر مهم للتحويلات والدعم والاستثمار وسوق عمل رئيسي لليمنيين ولها دور مهم في دعم التنمية. واستمرار عدوان الحوثيين يعني تعريض مصالح اليمنيين المباشرة للخطر. اليمني الذي يعيش في السعودية، وأسرته في اليمن التي تعيش على تحويلاته، والتاجر الذي يحتاج السوق السعودية، والدولة اليمنية التي تحتاج من يساعدها غدا في عملية إعادة الإعمار والبناء، كل هؤلاء لديهم مصلحة في علاقة مستقرة وصادقة وسليمة مع المملكة، لا تحويل العلاقة إلى حرب دائمة وعدم ثقة مزمنة.
حين يتكرر في الوعي المجتمعي داخل السعودية خبر يقول "صاروخ قادم من اليمن" أو "مسيرة قادمة من اليمن تتسبب بضرر في منشأة"، فقد يؤدي ذلك إلى خلط في الوعي العام بين اليمن والحوثي رغم أن ملايين اليمنيين بل الغالبية الكاسحة ليس لها علاقة لها بقرارات العصابة الحوثية ولا يؤيدون هجماتها ضد المملكة بل يرفضون الجماعة ويكرهونها ويتمنون زوالها.
وهنا تتجلى حكمة القيادة والشعب السعودي في هذه المرحلة الصعبة، ففي مقابل صواريخ ومسيرات الحوثي، حافظت المملكة قيادة وشعبا على التمييز بين الحوثي واليمني، ولم تحمل ملايين اليمنيين مسؤولية جماعة إرهابية وهمجية لا تمثلهم وتحتجز ملايين منهم كرهائن تجوعهم وتحركهم كما تريد.
في الوقت الذي يقصف الحوثيون المطارات والمنشآت السعودية، تواصل المملكة تصحيح أوضاع اليمنيين المقيمين بصورة غير نظامية وتمنحهم فرص قانونية للعمل والاقامة. هذه المفارقة تكشف الفرق بين من يصنع العداء ومن يحافظ على روابط الشعبين.
إن المتأمل لتفاصيل الحوثيين، وتاريخ أجدادهم من قبل، سيجد أنهم جائوا إلى اليمن منذ اليوم الأول لاستغلال اليمنيين ليحولوهم إلى سيوف وبنادق في أيديهم ضد كل من يدير شؤون المسلمين في مكة والمدينة لأنهم يعتقدون أنها ملكا لهم.
يتبنى الحوثيون منذ عقود خطاب كراهية يصور السعودية باعتبارها عدوا تاريخيا لليمن ويحملها مسؤولية فقرة وانقسامه وضعفه. يفسرون العلاقة بين البلدين من خلال سردية عقائدية تساهم في نشر الأحقاد بين الشعبين. ظاهر خطاب الحوثيين الدفاع عن اليمن ومصالح اليمنيين، لكن باطنه الحقد على الأشقاء وهو الحقد الذي يجعلهم يحولون عامة اليمنيين إلى وقود لصراع أيدلوجي طويل مع المملكة.
الخطر الذي لا أتمنى أن يحدث، أن استمرار اعتداءات الحوثيين على السعودية قد يخلق حساسية أو غضبا اجتماعيا لا شعوريا ينعكس سلبا على كل اليمنيين، فيعود الحوثي ليستثمر ذلك قائلا للناس: "ألم نقل لكم أنهم يكرهون الشعب اليمني؟".. وهذا ما يفعلونه دائما. يشعلون الفتنة بين اليمن والسعودية، ثم يذرفون دموع التماسيح على الضحايا بهدف إعادة انتاج الأحقاد والكراهية.
الأهم في هذه المرحلة ألا ينجح الحوثي في تحويل خصومته مع السعودية إلى خصومة بين الشعبين الشقيقين اليمني والسعودي.. وهذه مهمة أصحاب القرار والنخبة المثقفة والمؤثرة والعلماء والوجهاء.