حين تساقطت شظايا الصاروخ الباليستي الحوثي المحطم فوق «وادي المغمس» على مشارف مكة المكرمة يوم السبت 24 أكتوبر الجاري، بعد أن اعترضته صواريخ قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي في السماء، بدا المشهد وكأن الجغرافيا نفسها قررت أن تكتب مقالاً ساخراً في التاريخ المقارن؛ فـ«المغمس» — لمن غابت عنه دروس السيرة والتاريخ — ليس وادياً عادياً على تخوم العاصمة المقدسة، بل هو الموضع ذاته الذي عسكر فيه أبرهة الحبشي بجيشه القادم من اليمن قبل خمسة عشر قرناً لهدم الكعبة المشرفة، وهو المكان نفسه الذي برك فيه فيله الأعظم «محمود» رافضاً التقدم خطوة واحدة نحو الحرم المكي، قبل أن يعصف بهم طير أبابيل.
هذه المصادفة المكانية المذهلة تختصر حقيقة المعركة التي تخوضها المملكة العربية السعودية اليوم دفاعاً عن أراضيها وعن قبلة أكثر من ملياري مسلم؛ فما يمثله عبد الملك الحوثي وجماعته — ومن ورائهم نظام المرشد والحرس الثوري في إيران — من عدوان مستمر على الحرمين الشريفين واستهداف للمعتمرين والآمنين، ليس سوى طبعة معاصرة من غزوة أبرهة، وإن استبدلت بالفيل صواريخَ باليستية ومسيّرات مفخخة تُهرَّب قطعها من مصانع طهران وتركّبها أيدي خبراء الحرس الثوري وحزب الله في كهوف صعدة.
غير أن الفارق الأخلاقي والتاريخي بين الغزوتين يصبّ — للمفارقة — في مصلحة أبرهة القديم؛ فأبرهة الحبشي حين زحف من صنعاء نحو مكة المكرمة كان واضحاً وصريحاً في عدائه، ولم يرفع في شوارع صنعاء لافتة كاذبة تقول «الموت للفرس واليهود» ليخدع بها البسطاء قبل أن يوجه سلاحه نحو الكعبة المشرفة. أما «أبرهة مران» فقد صدّع رؤوس اليمنيين والمسلمين عشرين عاماً بشعار «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل» والغضب للقدس، فيما كان مؤسس الحركة حسين الحوثي قد حسم الوجهة الحقيقية للسلاح مبكراً في «ملازمه» حين طمأن أتباعه بصراحة: «لن نذهب لنجاهد في لندن وواشنطن، بل سنقاتل أدواتهم هنا».
واليوم تتجلى هذه العقيدة الباطنية في أوضح صورها وأكثرها خزياً؛ ففي مضيق باب المندب — كما وثق الكاتب الكبير عبد الرحمن الراشد وتقارير قناة «الإخبارية» السعودية — تمر البوارج والسفن الإسرائيلية بسلام وأمان أمام عين عبد الملك الحوثي فلا يطلق عليها رصاصة واحدة التزاماً باتفاقه الضمني معها، بينما يدير فوهات صواريخه الباليستية ومسيّراته الانتحارية في ساعات الذروة نحو صالات مطار الملك خالد الدولي بالرياض، ليقتل تسعة عشر مسافراً ويصيب المئات من المدنيين الأبرياء والمعتمرين وهم يرتدون ملابس الإحرام البيضاء في طريقهم إلى بيت الله الحرام.
ولم تتوقف «المسيرة القرآنية» عند قتل المعتمرين بملابس الإحرام في صالات المطارات، ولا عند استهداف محطة الكهرباء في مدينة رسول الله ﷺ؛ بل أبت إلا أن تختم سجلها في شهر أكتوبر الجاري بإطلاق صاروخها الباليستي باتجاه مكة المكرمة نفسها. وحين يسأل المراقبون بدهشة عن سر هذا الانتحار السياسي والأخلاقي الذي يجمع عليه إجماع الأمة الإسلامية من مشرقها إلى مغربها، يأتي الجواب من بنية «الوكيل» نفسه؛ فالجماعة التي يدير الحرس الثوري الإيراني وحزب الله مخابراتها وهندسة أنفاقها وحمايتها الشخصية، لا تملك ترف العقلانية ولا قرار السلم والحرب، بل تنتهي وظيفتها عند تلقي المكالمة الهاتفية من «البنكر» الإيراني تحت الأرض.
في ذلك المخبأ العميق بطهران يجلس نظام فقد نصف قياداته، وانهار مشروعه الإقليمي الذي أنفق عليه أربعين عاماً في بلاد الشام، فلم يجد أمامه — كالغريق الذي يريد إغراق الجميع — سوى تحريك ذراعه الحوثية لإطلاق الصواريخ نحو الخليج وبلاد الحرمين الشريفين. والمفارقة الساخرة التي التقطها الراشد أن طهران نفسها قد تمهد الطريق خلال سنوات قليلة لتفاهمات وعلاقة جيدة مع إسرائيل، في وقت بدأ فيه سفيرها في الرياض (علي رضا عنايتي) ينشر صوراً لفتيات سافرات يتجولن في شوارع طهران باعتبارها «مدينة السلام»؛ فالأصيل في طهران يحتفظ دائماً بحق مراجعة سياسته وتغيير جلده متى اقتضت مصلحته، أما الوكيل في صعدة فمهمته أن يظل وقوداً رخيصاً لحرب خاسرة ضد قبلة المسلمين.
ولكي تكتمل فصول الاستنساخ الكاريكاتوري لأبرهة الحبشي، الذي بنى في صنعاء كنيسة «القُلَّيس» ليصرف العرب عن حج بيت الله الحرام في مكة، بثت القنوات الفضائية مشاهد موثقة لقيام أتباع الحوثي في مدينة «ذمار» — بعد أيام قليلة من تحطم صاروخهم فوق المغمس — بنصب «مجسم كرتوني للكعبة» والطواف حوله وتقبيل أقدام مجسمات ورقية لزعيمهم، في مشهد سخر منه اليمنيون بوصفه «الاكتفاء الذاتي في الشعائر المقدسة»، وهو في حقيقته كشفٌ فاضح عن جوهر مشروع كهنوتي يرى في قدسية مكة المكرمة والمدينة المنورة، وفي المكانة الروحية والقيادية للمملكة العربية السعودية حامية الحرمين الشريفين، العائقَ الأكبر أمام خرافة «البطنين» والولاية السلالية المستوردة من قُم.
لقد أثبتت شظايا «وادي المغمس» أن المملكة العربية السعودية، وهي تذود بيقظة دفاعاتها الجوية وبسالة رجالها عن حمى الحرمين الشريفين وأمن ضيوف الرحمن، إنما تدافع عن أقدس مقدسات الأمة الإسلامية في مواجهة مشروع ظلامي فقد كل صلة بالدين والعروبة والأخلاق. وأثبتت — وهذا هو الأهم — أن «محموداً»، فيل أبرهة الأعجم، حين برك في المغمس هيبةً للكعبة المشرفة، كان يمتلك من العقل والورع والبصيرة ومعرفة اتجاه القبلة ما يفتقده «قرين القرآن» ومشغّلوه في أنفاق طهران.
ورحم الله العلامة الزيدي الكبير مجد الدين المؤيدي، شيخ صعدة ومرجعها؛ فقد روى الشيخ عثمان مجلي أن المؤيدي بكى حين رأى أفعال هذه العصابة في بداياتها، وقال جملته التي حفظها أهل صعدة، وتصلح اليوم خاتمةً لكل نقاش حول من يستهدف مكة والمعتمرين: «والله إن هذه الفئة أشد خطراً على الإسلام والمسلمين من اليهود والنصارى».